الشيخ السبحاني
86
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
متفقون على صحتها قائلون بأنّ استحقاق العبادة من شؤون الربوبية ، فمن كان ربّا فهو مستحق للعبادة ، وإذ لا ربّ سواه فلا معبود سواه . وإنما الكلام في تشخيص مصاديقها وجزئياتها عن غيرها ، وهذه هي المشكلة الوحيدة في هذا الفصل ، فإنّ جلّ من يعدّون بعض الأفعال عبادة لم يتوفقوا في تحديد العبادة تحديدا منطقيا يتميز به مصداق العبادة عن غيرها . فلأجل ذلك ضربوا الكل بسهم واحد فخلطوا العبادة بغيرها ، وأجروا على الكل حكم الشّرك . ومن هنا يجب على الباحث الكلامي تحديد مفهوم العبادة حتى يتميز مصداقها عن مصداق غيرها كالخضوع والتعظيم . وهذا البحث هو البحث الرئيسي في هذا الفصل وليس للباحث غنى عنه ، ونحن نرسل الكلام في الموضوع لما نجد فيه من الأهمية الخاصة في هذه الأعصار . ما هي العبادة ؟ لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة كالماء والأرض ولكن مع وضوح مفهومها وحضور هذا المفهوم في الذهن يصعب التعبير عنه بالكلمات ، فكما هي واضحة مفهوما ، كذلك واضحة مصداقا بحيث يسهل تمييز مصاديقها عن مصاديق التعظيم والتكريم . فتقبيل العاشق دار معشوقته ، أو تراب قبرها بعد موتها لا يوصف بالعبادة ، كما أن ذهاب الناس إلى زيارة من يعينهم من الشخصيات ، والوفود إلى مقابرهم ، أو الوقوف أمامها احتراما لا يعد عبادة وإن بلغ من الخضوع ما بلغ . ولكن لكي نعطي ضابطة كلية لتمييز المصاديق نأتي بتعاريف ثلاثة تتميز بها العبادة عن التكريم والتعظيم وإليك بيانها . التعريف الأول العبادة هي : « الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بألوهية المخضوع له » « 1 » ويتضح صدق هذا التعريف ببيان أمرين :
--> ( 1 ) سيوافيك فيما يأتي معنى الألوهية .